كورونا والمغرب: ورقة الإنتصار







لم يكن خبر تمديد مدة الحجر الصحي أمرا غير متوقع ولا غير مقبول بالنسبة للرأي العام (مع إستياء طفيف حول المدة المعلنة)، لما نراه من تباطؤ في نزول عدد الحالات المؤكدة هذا الأسبوع، لفيروس « عنيد »، لا يتأثر بتغير الفصول أو الحرارة كما رأيناه مع فيروسات من نفس عائلته. هو الخصم اليقظ لأخطائنا التي تساعد في إنتشاره السريع (وهذا مصدر قوته)، ليتمكن من شل حريتنا الفردية وحركتنا الإقتصادية والطبيعية. لم يعد ممكنا وضع أي تصور قار بسبب ظهور بؤر مستمرة لهذه الجائحة بين الفينة والأخرى، لا يمكن التكهن بعددها ولا بتوقيتها. حائر أنا، كما هو حال كثير من المواطنين يحاولون فهم الوضع ومآلاته المتقلبة، ويسعون جادين للتفكير في حلول ملائمة للقضاء على هذا الوباء بالمغرب، وبشكل قطعي، لا يجعلنا نخاف من موجة ثانية ترجعنا إلى حالة الخوف من إحتمال الرجوع إلى بيوتنا مجبرين خاضعين، منكسرين أمام رعب هذا « المجرم كورونا ». هذا سيناريو يتوجس منه العالم بأسره وهذا الفيروس لا يعطي أي ضمانات لنهايته (ولو لبضعة أشهر إلى أن تظهر جليا نقط ضعفه)، إلا بالقضاء عليه تماما والقدرة على العودة إلى الحياة الطبيعية في أسرع وقت ممكن. و لربما قرار تمديد هذا الحجر وبهذه الفترة المحددة بالذات (3 أسابيع)، هي من شأنها أن تكون (آخر) ورقة إنتصار ممكنة لنا، للقضاء كليا على هذا الفيروس والإطمئنان بشكل كامل على نهاية هذا الكابوس. ولكن كيف؟ أهم ما ركز عليه القرار الملكي والحكومي، منذ بداية الجائحة، هو جعل الأمن الصحي للمواطن، فوق كل إعتبار، وهذا قرار نثمنه جميعا ونحترمه. إذا، أول سؤال يجب الرد عليه هو مدى صلابة الأرضية الصحية في مواجهة هذا الوباء؟. والحمد لله، فالوضعية الصحية إلى حدود الآن، بما صدر من عرض رئيس الحكومة، أمام الغرفتين البارحة، هو إيجابي ومطمئن: ۔ نسبة الوفيات تبلغ حاليا 2.9% وطنيا، في حين كانت في بداية الحجر الصحي تتجاوز 7%؛ ۔ نسبة الحالات الخطيرة والحرجة، تبلغ حاليا 1% وطنيا، في حين كانت في بداية الحجر الصحي، تتجاوز 15%؛ ۔ نسبة استغلال وحدات الإنعاش، تبلغ حاليا 4% وطنيا، وهي نسبة مريحة جدا بلغة أخرى، فإن القطاع الصحي لم يعاني من ضغط قاهر إلى حدود الساعة ولله الحمد. أرقام توحي بنجاح السياسة الصحية للبلاد في ظل هذه الأزمة، وتؤكد قدرة جيدة للمغرب في مواصلة ومحاصرة هذا الفيروس بدون خوف من إنهيار المصالح الطبية في معالجة عدد أكبر من الحالات، إذا لا قدر الله ذلك. والتحدي الحقيقي بعد  الإجابة على هذا السؤال يكمن في تقديم وصفة واقعية للقضاء عليه كليا (لا أؤمن شخصيا في معدل التكاثر R0 ، لأن هذا الفيروس يرجع بسرعة البرق، وبذلك قراءة هذا المعدل هي قراءة مطاطية، لا يمكن العمل بها لحركية الفيروس السريعة في إنتشاره). وبذلك، فالحل الأسلم للحيلولة إلى القضاء على الفيروس بشكل كامل، هو الإلتزام التام (الأقصى على الأقل) ولمدة أسبوعين كاملين حتى تتضح لنا جميعا صورة كل ضحايا هذا الفيروس، ونتمكن من إحصاء كل الأعداد المؤكدة ومعالجتها. و ذه ليست بعصا سحرية أقدمها ولا حتى فكرة جديدة. هذا استنتاج معروف وعليه شبه إجماع عبر العالم. كلما كان الحجر محكما في مكان ما، كلما كان ممكنا القضاء عليه نهائيا. إذن الحل الحقيقي لهذا المشكل العويص هو وضع خطة محكمة خلال هذا الأسبوع، لفرض حجر مطبق وبشكل كامل. والحمد لله، فبعد مرور شهرين من التعايش مع هذا الفيروس، حققنا بعض المكاسب المهمة التي يجب ذكرها: لدينا اليوم قاعدة بيانات أدق حول الفئات المعوزة بشكل واسع، تسلمت بسلام الدعم الموكل من طرف الحكومة.  وبالنسبة لبعض الحالات المتبقية، فإن قناعتي (كانت ولا زالت) هي أن السلطات المحلية، قادرة على التدقيق فيها بسرعة وتقديم تقارير فورية للحسم فيها. –  التسيير العام للشؤون الصحية والأمنية والإقتصادية، أصبحت أكثر سلاسة مع مرور الوقت، وهذا مكسب تطلب منا جهدا جبارا مع حلول هذا الضيف المفاجيء والغير مرغوب فيه. – أغلب المواطنين أبانوا عن نضج كبير في تحمل عبء الحجر، وهم مستعدون لإتمام هاته الفترة وبطواعية تامة، إذا ما تم تطمينهم، أن هذه الفترة هي « آخر الأحزان » مع هذا الوباء الفتاك. و من خلال هذه الاستخلاصات، تبقى شروط النجاح لهذه المهمة الصعبة، هو أولا تقديم دعم شامل لكل الفئات المعوزة لفترة ثانية – مهما كلفنا ذلك (على أكثر تقدير 6 إلى 7 مليار درهم) سيكون أرخص بكثير مما قد نخسره، إذا ما لم نتمكن من خنق مصادر هذا الفيروس بشدة، وترك إحتمال بروز بؤر جديدة بين كل فئة وأخرى غير ممكنة. والجديد في الخطة هو تقديم هذا الدعم الشامل لكل العائلات المعوزة مقرونا برسالة واضحة من السلطات: لا تساهل بعد ذلك لأسبوعين متتاليين مع أي تجاوزات غير مسموح بها خلال فترة الحجر الصحي (حتى التبضع، يجب أن يكون محددا أقصاه في مرتين بالأسبوع لكل عائلة).  وإذا ما وجب إنزال الجيش لبعث رسالة واضحة، أن الوضع سيكون أكثر حسما هذه المرة، فليكن ذلك. الموضوع لم يعد يحتمل أي ليونة أو مغامرة. عند ضمان قوت كل عائلة معوزة لدخول بيوتهم آمنين لمعاشهم لفترة الحجر،  أنذاك يمكن إستعمال مبدأ « دخل لدارك ولا نخلي دارك » بسلطة القانون، وسيكون له دعم واسع من الرأي العام، لأن أي مخالف للإلتزام بشروط الحجر الصحي، سيكون إنسانا لا مسؤولا يتعدى على حقوق بقية المواطنين، الذين يضحون منذ عدة أسابيع بحياتهم الطبيعية، من أجل القضاء على هذا الوباء. والظرفية لم تعد تحتمل المرونة والتساهل. لقد دقت ساعة الحزم. وقد لا نحتاج الى إستعمال مفرط لمظاهر القوة، إذا ما توصل المغاربة بنداء ملكي، وما أحوجنا إليه، يعلن فيه جلالة الملك لشعبه  طلب الدخول إلى البيوت والإلتزام التام بالحجر الصحي، مع ضمانه بتمكين كل عائلة ضعيفة الحصول على مساعدة معقولة تمكنها من مواكبة أدنى شروط التعايش مع متطلبات العيش خلال فترة الحجر. هو صاحب القرارات الجريئة وهو من يلتف عليه الشعب المغربي قاطبة، متى ما طلب منه ذلك. وعند سؤال أي رجل كريم، ولا نشك في كرم وحب جلالة الملك لشعبه، أتمنى  كذلك أن تلقى قضية إخواننا وأخواتنا المغاربة العالقين خارج الحدود حلا سريعا، يبدأ تفعيله مع أول أيام العيد، حتى تكتمل بهجتنا جميعا بخبر رجوعهم سالمين أمنين إلى بلدهم المغرب. حتى لو كلفت العمليتين معا 10 مليار درهم، فالتكلفة لن تكون باهظة، وستمكن بكل تأكيد مسح كل كوابيس هذا الفيروس اللعين في عقولنا والاحساس بنشوة الإنتصار والإستعداد لمواجهة مرحلة ما بعد كورونا، التي تعرف تحديات إجتماعية  إقتصادية مريبة. عدم الفصل بشكل حاسم في هذا الموضوع وبسرعة (لا زالت أمامنا سبعة أيام للإستعداد في هذا الإتجاه وهو جدول زمني معقول بالنظر إلى الكل الترتيبات الموجودة اليوم) سيظل الوضع هشا قابلا  لتطور خطير في أي لحظة، وقد يصل المغرب إلى كارثة إقتصادية وإجتماعية، لن يجد معها أضعاف هذه التكلفة المعلنة اليوم سبيلا للخروج منها. إذا ما بدأ التفكير جليا في هذا الموضوع من اليوم وقمنا بإخبار المواطنين ولو 3 أيام قبل بدء هذا الحجر المطبق، سنتغلب على المجرم كورونا، وسيكون لنا فرصة حقيقية في أن نستعيد حياتنا الطبيعية بسرعة أكبر. لا مجال لأنصاف الحلول في هذه المرحلة. الطواقم الطبية والأمنية (خصوصا) قد استمرت لشهريين متتاليين في الخطوط الأمامية وتحت ضغط شديد بدون توقف، ونسأل الله أن يعطيهم مزيد من الصبر والتباث في هذه الفترة المتبقية. يَا لَطيفاً فَوْقَ كُلِّ لَطيفٍ، أُلطُفْ بينا في أُمورنا كُلِّها وعجل بفرجك وارفع بأسك عنا. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا كورونا والمغرب: ورقة الإنتصار Maroc News | .

Comments 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كورونا والمغرب: ورقة الإنتصار

log in

Captcha!

reset password

Back to
log in
Choose A Format
Gif
GIF format